السبت، 12 نوفمبر 2016

محنة ابن عطاء

قال الإمام الذهبي: قال السلمي  امتحن بسبب الحلاج ، وطلبه حامد الوزير وقال : ما الذي تقول في الحلاج؟ فقال : ما لك ولذاك ؟ عليك بما ندبت له من أخذ الأموال ، وسفك الدماء . فأمر به ، ففكت أسنانه ، فصاح : قطع الله يديك ورجليك . ومات بعد أربعة عشر يوما ، ولكن أجيب دعاؤه ، فقطعت أربعة حامد .

محنة وكيع

محنة وكيع - وهي غريبة - تورط فيها، ولم يرد إلا خيرا، ولكن فاتته سكتة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع، فليتق عبد ربه، ولا يخافن إلا ذنبه ".

قال علي بن خشرم: حدثنا وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله البهي، أن أبا بكر الصديق جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، فأكب عليه، فقبله، وقال: " بأبي وأمي، ما أطيب حياتك وميتتك "، ثم قال البهي: وكان ترك يوما وليلة حتى ربا بطنه، وانثنت خنصراه.
قال ابن خشرم: فلما حدث وكيع بهذا بمكة، اجتمعت قريش، وأرادوا صلب وكيع، ونصبوا خشبة لصلبه، فجاء سفيان بن عيينة، فقال لهم: الله الله ! هذا فقيه أهل العراق، وابن فقيهه، وهذا حديث معروف.
قال سفيان: ولم أكن سمعته إلا أني أردت تخليص وكيع.
قال علي بن خشرم: سمعت الحديث من وكيع، بعدما أرادوا صلبه، فتعجبت من جسارته، وأخبرت أن وكيعا احتج، فقال: إن عدة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم عمر، قالوا: لم يمت رسول الله.
فأراد الله أن يريهم آية الموت.
رواها أحمد بن محمد بن علي بن رزين الباشاني قال: حدثنا علي ابن خشرم.
وروى الحديث عن وكيع: قتيبة بن سعيد .


فهذه زلة عالم، فما لوكيع ولرواية هذا الخبر المنكر المنقطع الاسناد ! كادت نفسه أن تذهب غلطا، والقائمون عليه معذورون، بل مأجورون، فإنهم تخيلوا من إشاعة هذا الخبر المردود، غضا ما لمنصب النبوة، وهو في بادئ الرأي يوهم ذلك، ولكن إذا تأملته، فلا بأس إن شاء الله بذلك، فإن الحي قد يربوا جوفه، وتسترخي مفاصله، وذلك تفرع من الامراض، و " أشد الناس بلاء الانبياء "، وإنما المحذور أن تجوز عليه تغير سائر موتى الآدميين ورائحتهم، وأكل الارض لاجسادهم، والنبي صلى الله عليه وسلم فمفارق لسائر أمته في ذلك، فلا يبلى، ولا تأكل الارض جسده، ولا يتغير ريحه، بل هو الآن، وما زال أطيب ريحا من المسك، وهو حي في لحده حياة مثله في البرزخ، التي هي أكمل من حياة سائر النبيين، وحياتهم بلا ريب أتم وأشرف من حياة الشهداء الذين هم بنص الكتاب (أحياء عند ربهم يرزقون) [ آل عمران: 169 ] وهؤلاء حياتهم الآن التي في عالم البرزخ حق، ولكن ليست هي حياة الدنيا من كل وجه، ولا حياة أهل الجنة من كل وجه، ولهم شبه بحياة أهل الكهف، ومن ذلك: اجتماع آدم وموسى، لما احتج عليه موسى، وحجه آدم بالعلم السابق  كان اجتماعهما حقا، وهما في عالم البرزخ، وكذلك نبينا صلى الله عليه وسلم أخبر أنه رأى في السماوات آدم وموسى وإبراهيم وإدريس وعيسى، وسلم عليهم، وطالت محاورته مع  موسى، هذا كله حق.

والذي منهم لم يذق الموت بعد هو عيسى عليه السلام، فقد تبرهن لك أن نبيا صلى الله عليه وسلم ما زال طيبا مطيبا، وأن الارض محرم عليها أكل أجساد الانبياء، وهذا شئ سبيله التوقيف، وما عنف النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة رضي الله عنهم لما قالوا له بلا علم: وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت ؟ - يعني قد بليت - فقال: " إن الله حرم على الارض أن تأكل أجساد الانبياء " .

وهذا بحث معترض في الاعتذار عن إمام من أئمة المسلمين، وقد قام في الدفع عنه مثل إمام الحجاز سفيان بن عيينة، ولولا أن هذه الواقعة في عدة كتب، وفي مثل " تاريخ الحافظ ابن عساكر "، وفي " كامل الحافظ ابن عدي " لاعرضت عنها جملة، ففيها عبرة حتى قال الحافظ يعقوب الفسوي في " تاريخه ": وفي هذه السنة حدث وكيع بمكة، عن ابن أبي خالد، عن البهي، فذكر الحديث، ثم قال: فرفع ذلك إلى العثماني، فحبسه، وعزم على قتله، ونصبت خشبة خارج الحرم، وبلغ وكيعا، وهو محبوس.
قال الحارث بن صديق: فدخلت عليه لما بلغني، وقد سبق إليه الخبر، قال: وكان بينه وبين ابن عيينة يومئذ متباعد، فقال لي: ما أرانا إلا قد اضطررنا إلى هذا الرجل، واحتجنا إليه، فقلت: دع هذا عنك، فإن لم يدركك، قتلت، فأرسل إلى سفيان، وفزع إليه، فدخل سفيان على العثماني - يعني متولي مكة - فكلمه فيه، والعثماني يأبى عليه، فقال له سفيان: إني لك ناصح، هذا رجل من أهل العلم، وله عشيرة، وولده بباب أمير المؤمنين، فتشخص لمناظرتهم، قال: فعمل فيه كلام سفيان، فأمر بإطلاقه، فرجعت إلى وكيع، فأخبرته، فركب حمارا، وحملنا متاعه، وسافر، فدخلت على العثماني من الغد، فقلت: الحمد لله الذي لم تبتل بهذا الرجل، وسلمك الله، قال: يا حارث، ما ندمت على شئ ندامتي على تخليته، خطر ببالي هذه الليلة حديث جابر بن عبد الله قال: حولت أبي والشهداء بعد أربعين سنة فوجدناهم رطابا يثنون لم يتغير منهم شئ .
ثم قال الفسوي: فسمعت سعيد بن منصور يقول: كنا بالمدينة، فكتب أهل مكة إلى أهل المدينة بالذي كان من وكيع، وقالوا: إذا قدم عليكم، فلا تتكلوا على الوالي، وارجموه حتى تقتلوه.
قال: فعرضوا علي ذلك، وبلغنا الذي هم عليه، فبعثنا بريدا إلى وكيع أن لا يأتي المدينة، ويمضي من طريق الربذة، وكان قد جاوز مفرق الطريقين، فلما أتاه البريد، رد، ومضى إلى الكوفة.
ونقل الحافظ ابن عدي في ترجمة عبدالمجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد أنه هو الذي أفتى بمكة بقتل وكيع.
وقال ابن عدي: أخبرنا محمد بن عيسى المروزي - فيما كتب إلي - قال: حدثنا أبي عيسى بن محمد، قال: حدثنا العباس بن مصعب، حدثنا قتيبة، حدثنا وكيع، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، فساق الحديث، ثم قال قتيبة: حدث وكيع بمكة بهذا سنة حج الرشيد، فقدموه إليه، فدعا الرشيد سفيان بن عيينة وعبد المجيد بن أبي رواد، فأما عبدالمجيد، فإنه قال: يجب أن يقتل، فإنه لم يرو هذا إلا من في قلبه غش للنبي صلى الله عليه وسلم.
وقال سفيان: لا قتل عليه، رجل سمع حديثا، فأرواه، والمدينة شديدة الحر توفي النبي صلى الله عليه وسلم فترك ليلتين، لان القوم في إصلاح أمر الامة، واختلفت قريش والانصار، فمن ذلك تغير.
قال قتيبة: فكان وكيع إذا ذكر فعل عبدالمجيد، قال: ذاك جاهل، سمع حديثا لم يعرف وجهه، فتكلم بما تكلم.

قلت: فرضنا أنه ما فهم توجيه الحديث على ما تزعم، أفمالك عقل وورع ؟ أما سمعت قول الامام علي: حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله .
أما سمعت في الحديث : " ما أنت محدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم ".
ثم إن وكيعا بعدها تجاسر وحج، وأدركه الاجل بفيد .

محنة الإمام مالك

قال محمد بن جرير : كان مالك قد ضرب بالسياط ، واختلف في سبب ذلك ، فحدثني العباس بن الوليد ، حدثنا ابن ذكوان ، عن مروان الطاطري ، أن أبا جعفر نهى مالكا عن الحديث : ليس على مستكره طلاق ثم دس إليه من يسأله ، فحدثه به على رءوس الناس ، فضربه بالسياط . 

وحدثنا العباس ، حدثنا إبراهيم بن حماد أنه كان ينظر إلى مالك إذا أقيم من مجلسه ، حمل يده بالأخرى . 

ابن سعد : حدثنا الواقدي قال : لما دعي مالك ، وشوور ، وسمع منه ، وقبل قوله ، حسد ، وبغوه بكل شيء ، فلما ولي جعفر بن سليمان المدينة ، سعوا به إليه ، وكثروا عليه عنده ، وقالوا : لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشيء ، وهو يأخذ بحديث رواه عن ثابت بن الأحنف في طلاق المكره : أنه لا يجوز عنده ، قال : فغضب جعفر ، فدعا بمالك ، فاحتج عليه بما رفع إليه عنه ، فأمر بتجريده ، وضربه بالسياط ، وجبذت يده حتى انخلعت من كتفه ، وارتكب منه أمر عظيم ، فوالله ما زال مالك بعد في رفعة وعلو . 

تزويج بنت سعيد بن المسيب

وقال أبو بكر بن أبي داود : كانت بنت سعيد قد خطبها عبد الملك لابنه الوليد ، فأبى عليه ، فلم يزل يحتال عبد الملك عليه حتى ضربه مائة سوط في يوم بارد ، وصب عليه جرة ماء ، وألبسه جبة صوف . 

ثم قال : حدثني أحمد ابن أخي عبد الرحمن بن وهب ، حدثنا عمر بن وهب ، عن عطاف بن خالد ، عن ابن حرملة ، عن ابن أبي وداعة -يعني كثيرا - قال : كنت أجالس سعيد بن المسيب ، ففقدني أياما ، فلما جئته قال : أين كنت؟ قلت : توفيت أهلي فاشتغلت بها . فقال : ألا أخبرتنا فشهدناها . ثم قال : هل استحدثت امرأة؟ فقلت : يرحمك الله ، ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة؟ قال : أنا . فقلت : وتفعل؟ قال : نعم ، ثم تحمد ، وصلى على النبي -صلى الله عليه وسلم- وزوجني على درهمين -أو قال : ثلاثة- فقمت وما أدري ما أصنع من الفرح . 

فصرت إلى منزلي وجعلت أتفكر فيمن أستدين ، فصليت المغرب ، ورجعت إلى منزلي ، وكنت وحدي صائما ، فقدمت عشائي أفطر ، وكان خبزا وزيتا ، فإذا بابي يقرع ، فقلت : من هذا؟ فقال : سعيد . فأفكرت في كل من اسمه سعيد إلا ابن المسيب ، فإنه لم ير أربعين سنة إلا بين بيته والمسجد ، فخرجت ، فإذا سعيد ، فظننت أنه قد بدا له ، فقلت : يا أبا محمد ألا أرسلت إلي فآتيك؟ قال : لا ، أنت أحق أن تؤتى ، إنك كنت رجلا عزبا فتزوجت ، فكرهت أن تبيت الليلة وحدك ، وهذه امرأتك . 

فإذا هي قائمة من خلفه في طوله ، ثم أخذ بيدها فدفعها في الباب ، ورد الباب ، فسقطت المرأة من الحياء ، فاستوثقت من الباب ، ثم وضعت القصعة في ظل السراج لكي لا تراه ، ثم صعدت إلى السطح فرميت الجيران ، فجاءوني فقالوا : ما شأنك؟ فأخبرتهم . ونزلوا إليها ، وبلغ أمي ، فجاءت وقالت : وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها إلى ثلاثة أيام ، فأقمت ثلاثا ، ثم دخلت بها ، فإذا هي من أجمل الناس ، وأحفظ الناس لكتاب الله ، وأعلمهم بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأعرفهم بحق زوج . 

فمكثت شهرا لا آتي سعيد بن المسيب . ثم أتيته وهو في حلقته ، فسلمت ، فرد علي السلام ولم يكلمني حتى تقوض المجلس ، فلما لم يبق غيري قال : ما حال ذلك الإنسان؟ قلت : خير يا أبا محمد على ما يحب الصديق ، ويكره العدو . قال : إن رابك شيء ، فالعصا ، فانصرفت إلى منزلي ، فوجه إلي بعشرين ألف درهم . 

محنة سعيد بن المسيب

استعمل ابن الزبير جابر بن الأسود بن عوف الزهري على المدينة ، فدعا الناس إلى البيعة لابن الزبير فقال سعيد بن المسيب : لا ، حتى يجتمع الناس . فضربه ستين سوطا ، فبلغ ذلك ابن الزبير ، فكتب إلى جابر يلومه ويقول : ما لناولسعيد ، دعه . 

وعن عبد الواحد بن أبي عون ، قال : كان جابر بن الأسود عامل ابن الزبير على المدينة قد تزوج الخامسة قبل انقضاء عدة الرابعة ، فلما ضرب سعيد بن المسيب صاح به سعيد والسياط تأخذه : والله ما ربعت على كتاب الله ، وإنك تزوجت الخامسة قبل انقضاء عدة الرابعة ، وما هي إلا ليال فاصنع ما بدا لك ، فسوف يأتيك ما تكره . فما مكث إلا يسيرا حتى قتل ابن الزبير 

الواقدي : حدثنا عبد الله بن جعفر وغيره أن عبد العزيز بن مروان توفي بمصر سنة أربع وثمانين ، فعقد عبد الملك لابنيه : الوليدوسليمان بالعهد ، وكتب بالبيعة لهما إلى البلدان ، وعامله يومئذ على المدينة هشام بن إسماعيل المخزومي ، فدعا الناس إلى البيعة ، فبايعوا ، وأبىسعيد بن المسيب أن يبايع لهما وقال : حتى أنظر ، فضربه هشام ستين سوطا ، وطاف به في تبان من شعر ، حتى بلغ به رأس الثنية ، فلما كروا به قال : أين تكرون بي؟ قالوا : إلى السجن . فقال : والله لولا أني ظننته الصلب ، ما لبست هذا التبان أبدا . فردوه إلى السجن ، فحبسه وكتب إلى عبد الملك يخبره بخلافه . فكتب إليه عبد الملك يلومه فيما صنع به ويقول : سعيد ، كان والله أحوج إلى أن تصل رحمه من أن تضربه ، وإنا لنعلم ما عنده خلاف . 

وحدثني أبو بكر بن أبي سبرة ، عن المسور بن رفاعة ، قال : دخل قبيصة بن ذؤيب على عبد الملك بكتاب هشام بن إسماعيل يذكر أنه ضرب سعيداوطاف به . قال قبيصة : يا أمير المؤمنين ، يفتات عليك هشام بمثل هذا ، والله لا يكون سعيد أبدا أمحل ولا ألج منه حين يضرب ، لو لم يبايع سعيد ما كان يكون منه ، وما هو ممن يخاف فتقه ، يا أمير المؤمنين اكتب إليه . 

فقال عبد الملك : اكتب أنت إليه عني تخبره برأيي فيه ، وما خالفني من ضرب هشام إياه . فكتب قبيصة بذلك إلى سعيد . فقال سعيد حين قرأ الكتاب : الله بيني وبين من ظلمني . 

حدثني عبد الله بن يزيد الهذلي ، قال : دخلت على سعيد بن المسيب السجن فإذا هو قد ذبحت له شاة ، فجعل الإهاب على ظهره ، ثم جعلوا له بعد ذلك قضبا رطبا ، وكان كلما نظر إلى عضديه قال : اللهم انصرني من هشام 

 شيبان بن فروخ : حدثنا سلام بن مسكين ، حدثنا عمران بن عبد الله الخزاعي قال : دعي سعيد بن المسيب للوليد وسليمان بعد أبيهما فقال : لا أبايع اثنين ما اختلف الليل والنهار . فقيل : ادخل واخرج من الباب الآخر ، قال : والله لا يقتدي بي أحد من الناس ، قال : فجلده مائة وألبسه المسوح . 

ضمرة بن ربيعة : حدثنا رجاء بن جميل ، قال : قال عبد الرحمن بن عبد القاري لسعيد بن المسيب حين قامت البيعة للوليد وسليمان بالمدينة : إني مشير عليك بخصال ، قال : ما هن؟ قال : تعتزل مقامك ، فإنك تقوم حيث يراك هشام بن إسماعيل ، قال : ما كنت لأغير مقاما قمته منذ أربعين سنة . 

قال : تخرج معتمرا . قال : ما كنت لأنفق مالي وأجهد بدني في شيء ليس لي فيه نية ، قال : فما الثالثة؟ قال : تبايع ، قال : أرأيت إن كان الله أعمى قلبك كما أعمى بصرك فما علي؟ قال -وكان أعمى- قال رجاء : فدعاه هشام بن إسماعيل إلى البيعة ، فأبى ، فكتب فيه إلى عبد الملك . فكتب إليه عبد الملك : ما لك ولسعيد ، ما كان علينا منه شيء نكرهه ، فأما إذ فعلت فاضربه ثلاثين سوطا وألبسه تبان شعر ، وأوقفه للناس لئلا يقتدي به الناس . فدعاه هشام فأبى وقال : لا أبايع لاثنين . فألبسه تبان شعر ، وضربه ثلاثين سوطا ، وأوقفه للناس . فحدثني الأيليون الذين كانوا في الشرط بالمدينةقالوا : علمنا أنه لا يلبس التبان طائعا ، قلنا له : يا أبا محمد ، إنه القتل ، فاستر عورتك ، قال : فلبسه ، فلما ضرب تبين له أنا خدعناه ، قال : يا معجلة أهل أيلة ; لولا أني ظننت أنه القتل ما لبسته . 

وقال هشام بن زيد : رأيت ابن المسيب حين ضرب في تبان شعر . 

يحيى بن غيلان : حدثنا أبو عوانة ، عن قتادة ، قال : أتيت سعيد بن المسيب وقد ألبس تبان شعر وأقيم في الشمس ، فقلت لقائدي : أدنني منه فأدناني ، فجعلت أسأله خوفا من أن يفوتني ، وهو يجيبني حسبة والناس يتعجبون . 

قال أبو المليح الرقي : حدثني غير واحد أن عبد الملك ضرب سعيد بن المسيب خمسين سوطا ، وأقامه بالحرة وألبسه تبان شعر ، فقال سعيد : لو علمت أنهم لا يزيدوني على الضرب ما لبسته ; إنما تخوفت من أن يقتلوني ، فقلت : تبان أستر من غيره . 

قبيصة : حدثنا سفيان عن رجل من آل عمر ، قال : قلت لسعيد بن المسيب : ادع على بني أمية ، قال : اللهم أعز دينك ، وأظهر أولياءك ، واخز أعداءك في عافية لأمة محمد صلى الله عليه وسلم . 

أبو عاصم النبيل : عن أبي يونس القوي قال : دخلت مسجد المدينة ، فإذا سعيد بن المسيب جالس وحده ، فقلت : ما شأنه؟ قيل : نهي أن يجالسه أحد . 

همام : عن قتادة ، أن ابن المسيب كان إذا أراد أحد أن يجالسه قال : إنهم قد جلدوني ، ومنعوا الناس أن يجالسوني . 

حادثة الإفك

شأن الإفك : 

كان في غزوة المريسيع سنة خمس من الهجرة ، وعمرها رضي الله عنها - يومئذ اثنتا عشرة سنة . 

عن ابن شهاب : أخبرني عروة ، وابن المسيب ، وعلقمة بن وقاص ، وعبيد الله بن عبد الله ، عن حديث عائشة حين قال لها أهل الإفك ما قالوا ، فبرأها الله تعالى . وكل حدثني بطائفة من حديثها ، وبعض حديثهم يصدق بعضا ، وإن كان بعضهم أوعى له من بعض ، قالت :(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه ، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه ، فأقرع بيننا في غزوة غزاها ، فخرج سهمي ، فخرجت معه بعدما نزل الحجاب ، وأنا أحمل في هودج وأنزل فيه ، فسرنا ، حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك ، وقفل ودنونا من المدينة ، آذن ليلة بالرحيل ، فقمت حينئذ فمشيت حتى جاوزت الجيش .

فلما قضيت حاجتي ، أقبلت إلى رحلي ، فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع ، فالتمسته ، وحبسني التماسه ، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي فاحتملوا هودجي ، فرحلوه على بعيري ، وهم يحسبون أني فيه - وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلهن اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام - فلم يستنكروا خفة المحمل حين رفعوه ، وكنت جارية حديثة السن ، فبعثوا الجمل وساروا ، فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش ، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب ، فأممت منزلي الذي كنت فيه ، وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إلي ، فبينا أنا جالسة غلبتني عيني ، فنمت .

وكان صفوان بن المعطل السلمي ، ثم الذكواني ، من وراء الجيش ، فأدلج ، فأصبح عند منزلي ، فرأى سواد إنسان نائم ، فأتاني ، فعرفني حين رآني ، وكان يراني قبل الحجاب ، فاسترجع ، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفت ، فخمرت وجهي بجلبابي ، والله ما كلمني كلمة ، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه ، فأناخ راحلته ، فوطئ على يديها فركبتها ، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة ، فهلك من هلك في ، وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي بن سلول .
فقدمنا المدينة ، فاشتكيت شهرا ، والناس يفيضون في قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك ، ويريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي ، إنما يدخل علي ، فيسلم ، ثم يقول : كيف تيكم ؟ ثم ينصرف فذلك الذي يريبني ولا أشعر بالشر ، حتى خرجت بعدما نقهت ، فخرجت مع أم مسطح قبل المناصع وهو متبرزنا ، وكنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل ، وذلك قبل أن تتخذ الكنف قريبا من بيوتنا ، وأمرنا أمر العرب الأول من التبرز قبل الغائط ، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا ، فانطلقت أنا وأم مسطح بنت أبي رهم بن عبد مناف ، وأمها ابنة صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق ، وابنها مسطح بن أثاثة بن المطلب ، فأقبلت أنا وهي قبل بيتي ، قد فرغنا من شأننا ، فعثرت أم مسطح في مرطها ، فقالت : تعس مسطح ! فقلت لها : بئس ما قلت ! أتسبين رجلا شهد بدرا ؟ قالت : أي هنتاه أو لم تسمعي ما قال ؟ قلت : وما ذاك ؟ فأخبرتني الخبر ، فازددت مرضا على مرضي .

فلما رجعت إلى بيتي ، ودخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم قال : كيف تيكم ؟ فقلت : أتأذن لي أن آتي أبوي ؟ وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما ، فأذن لي ، فجئت أبوي ، فقلت : يا أمتاه ، ما يتحدث الناس ؟ قالت : يا بنية ، هوني عليك ، فوالله لقلما كانت امرأة وضيئة عند رجل يحبها لها ضرائر إلا كثرن عليها ، فقلت : سبحان الله ! وقد تحدث الناس بهذا ؟ ! فبكيت الليلة حتى لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم . ثم أصبحت أبكي ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد ، حين استلبث الوحي ، يستأمرهما في فراق أهله ، فأما أسامة ، فأشار على رسول الله بالذي يعلم من براءة أهله ، وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود ، فقال : يا رسول الله ، أهلك ، ولا نعلم إلا خيرا . وأما علي فقال : لم يضيق الله عليك ، والنساء سواها كثير ، واسأل الجارية ، تصدقك ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة فقال : أي بريرة ، هل رأيت من شيء يريبك ؟ قالت : لا والذي بعثك بالحق ، إن رأيت عليها أمرا أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن ، تنام عن عجين أهلها ، فيأتي الداجن ، فيأكله . فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول ، فقال وهو على المنبر : يا معشر المسلمين ، من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي ، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا ، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي ، فقام سعد بن معاذ ، فقال : يا رسول الله ، أنا أعذرك منه ، إن كان من الأوس ، ضربت عنقه ، وإن كان من إخواننا من الخزرج ، أمرتنا ، ففعلنا أمرك ، فقام سعد بن عبادة - وهو سيد الخزرج ، وكان قبل ذلك رجلا صالحا ، ولكن احتملته الحمية - فقال لسعد : كذبت لعمر الله ! لا تقتله ، ولا تقدر على قتله ، فقام أسيد بن حضير - وهو ابن عم سعد بن معاذ - فقال : كذبت ! لعمر الله لنقتلنه ، فإنك منافق تجادل عن المنافقين ، فتثاور الحيان : الأوس والخزرج ، حتى هموا أن يقتتلوا ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر ، فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا وسكت .

قالت : فبكيت يومي ذلك وليلتي ، لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ، فأصبح أبواي عندي ، وقد بكيت ليلتين ويوما لا أكتحل بنوم ، ولا يرقأ لي دمع ، حتى ظننت أن البكاء فالق كبدي ، فبينما هما جالسان عندي ، وأنا أبكي ، استأذنت علي امرأة من الأنصار ، فأذنت لها ، فجلست تبكي معي ، فبينما نحن على ذلك ، دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسلم ، ثم جلس ، ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل ، ولقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني شيء . قالت : فتشهد ، ثم قال : أما بعد ، يا عائشة ، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا ، فإن كنت بريئة ، فسيبرئك الله ، وإن كنت ألممت بذنب ، فاستغفري الله ، وتوبي إليه ، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب ، تاب الله عليه ، فلما قضى مقالته ، قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة ، فقلت لأبي : أجب رسول الله فيما قال ، قال : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت لأمي : أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالت : ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت وأنا يومئذ حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن : إني والله لقد علمت ، لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم ، وصدقتم به ، فلئن قلت لكم : إني بريئة - والله يعلم أني بريئة - لا تصدقوني بذلك ، ولئن اعترفت لكم بأمر ، والله يعلم أني بريئة ، لتصدقني ، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا قول أبي يوسف "فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون" ثم تحولت ، فاضطجعت على فراشي ، وأنا أعلم أني بريئة ، وأن الله - تعالى - يبرئني ببراءتي ولكن والله ما ظننت أن الله ينزل في شأني وحيا يتلى ، ولشأني كان في نفسي أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلي ، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها . قالت : فوالله ما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا خرج أحد من أهل البيت ، حتى نزل عليه الوحي ؛ فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء ، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق ، وهو في يوم شات ، من ثقل القول الذي ينزل عليه ، فلما سري عنه وهو يضحك ، كان أول كلمة تكلم بها : ياعائشة ، أما والله لقد برأك الله ، فقالت أمي : قومي إليه ، فقلت : والله لا أقوم إليه ، ولا أحمد إلا الله . وأنزل الله تعالى :"إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم" العشر الآيات كلها .

فلما أنزل الله هذا في براءتي ، قال أبو بكر - وكان ينفق على مسطح لقرابته وفقره - : والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة ، فأنزلت : ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم" قال : بلى والله ، إني لأحب أن يغفر الله لي ، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه ، وقال : والله لا أنزعها منه أبدا . قالت : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل زينب بنت جحش عن أمري ، فقالت : أحمي سمعي وبصري ، ما علمت إلا خيرا ، وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، فعصمها الله بالورع ، وطفقت أختها حمنة تحارب لها فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك).

حاطب بن أبي بلتعة


عن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة أن أباه كتب إلى كفار قريش كتابا ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلمعليا والزبير ، فقال : انطلقا حتى تدركا امرأة معها كتاب فائتياني به ، فلقياها ، وطلبا الكتاب ، وأخبراها أنهما غير منصرفين حتى ينزعا كل ثوب عليها . قالت : ألستما مسلمين ؟ قالا : بلى ، ولكن رسول الله حدثنا أن معك كتابا ، فحلته من رأسها . قال : فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبا حتى قرئ عليه الكتاب ، فاعترف ، فقال : ما حملك ؟ قال : كان بمكة قرابتي وولدي ، وكنت غريبا فيكم معشر قريش ، فقال عمر : ائذن لي - يا رسول الله - في قتله . قال : لا ، إنه قد شهد بدرا ، وإنك لا تدري ، لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم ، فإني غافر لكم .